بهاء الدين الجندي اليمني
27
السلوك في طبقات العلماء والملوك
منها ولا مقطوعة ولعل له عذرا وأنت تلومه وهو أنه قد قصر كتابه بقوله : « طبقات العلماء والملوك » فإن صاحبنا الجندي مفعم القلب بالفقه والحديث وغيرهما ولم يلتفت إلى بضاعة الشعر وإن كان يستملح منه ما طاب له كما أن والده يجيد الشعر . ومؤرخنا رحمه اللّه ولوع بشدة وبشكل جديّ وكبير بذكر كرامات الأولياء والمنامات والمرائي الخلّابة التي هي أغرب من الخيال وتلحق بقسم المستحيل وبحديث خرافة . وكان يصدر أحكامه بتلك الكرامات عن عقيدة راسخة لا تقبل الجدل والمناقشة وعن نفس مؤمنة بذلك خصوصا إذا تلقاها عن الثقات فإنها تصير عنده من القطعيات . والحق أن أكثرها بالخرافات أشبه وبخرق العادات أعلق وبالبله السذّج ألصق لأن البعض منها يخرجها عن حد المعقول إلى حيّز المحال والتجديف ، على أنا لا ننحي باللائمة على مؤرخنا الجندي الذي انساق وراء هذه العاطفة الروحانية الزائفة لأن الوسط الذي كان يعيش فيه الجندي كان ملغما بهذه الخرافات ومنغمسا في هذا الجو القدسي في نظرهم كما سبقه إلى هذه غيره وسير الأئمة وغيرهم مليئة بهذه الحكايات . خدعة الملوك ومما يستغرب أن الملوك والرؤساء انجرفوا وراء هذه الظاهرة ومع السواد الأعظم وفي هذا المسار كما يحكي لنا الجندي في عدة مواقف عن ملوك عصره ومن قبلهم . وأعتقد جازما أن انسياق الملوك والرؤساء وراء هذه الروحانية الزائفة « خدعة سياسيّة » لا تمت إلى عقيدتهم بصلة ، كيف لا وبعض الملوك مهزوز العقيدة مضطرب في الإلهيات . وإنما يقصدون من وراء ذلك تضليل العامة وجعلهم في متاهة الجهالات وحتى يبتعدوا عن تتبع مساويء الحكام والبحث عن كبائر جرائمهم ، وقد يكون البعض منهم صادقا في ذلك واللّه من وراء العلم . ويبدو أن هذه الظاهرة وهذه البلوى عمت جميع الأقطار الإسلامية ، وما السيد البدوي والدسوقي والسيدة زينب وأضرابهم في القطر المصري والشيخ عبد القادر الجيلاني والبسطامي وغيرهم في بغداد والنابلسي وابن عربي بالشام وقل في المغرب العربي وإفريقية المسلمة وإيران وغير ذلك إلّا من هذا القبيل .